ليس الموت موضوعًا عاديًا من موضوعات الحديث. تروي الصحفية مادلين أغيلر أن صديقة لها راحت، على مائدة غداء، تتحدّث عن رحيل أمها قبل سنوات؛ كان صوتها يتهدّج أحيانًا، لكنها تكلّمت بصراحة كمن يصف حقيقة من حقائق الحياة. وفي الأثناء لاحظت صديقًا آخر يتململ في كرسيه صامتًا، ثم اعترف لها لاحقًا، ويداه ترتجفان من القلق، بأنه لا يحبّ الحديث عن الموت ولا يريد حتى أن يفكّر فيه. من هذا المشهد البسيط انطلقت أغيلر في تحقيق نشرته صحيفة «ذا غارديان» البريطانية في أكتوبر 2026، وترجمته مجلة «كورييه إنترناسيونال» الفرنسية في 31 أكتوبر، تسأل فيه: إذا كنّا جميعًا سنموت، ومعنا كلّ من نعرف، فلماذا نخاف إلى هذا الحدّ؟ وكيف نخفّف من هذا الخوف؟
مجتمعات تهاب الحزن
لا يقف صديق الكاتبة وحده في هذا الارتباك. فالباحثة في الصمود النفسي والحزن لوسي هون، مؤلفة كتاب «كيف سأتجاوز هذا يومًا؟ دليل عملي لعبور أصعب مراحل الحياة» (How Will I Ever Get Through This?)، ترى أننا نعيش في مجتمعات «تخشى الحزن وتجهل أبجدياته». وقد بدأت هون أبحاثها قبل أكثر من عشر سنوات إثر الوفاة المفاجئة لابنتها آبي. وخلال المكالمة المرئية مع الصحفية كانت ترتدي إحدى قبّعات ابنتها القديمة، قبّعة صوفية برتقالية وبيضاء منقّطة، تعترف بأنها مضحكة، لكنها تُضحكها هي أيضًا.
واللافت أن هون، رغم فاجعتها ورغم أنها تقضي جزءًا كبيرًا من وقتها في الإصغاء إلى أحزان الناس، تبدو مبتهجة مفعمة بالحيوية، وتعزو ذلك جزئيًا إلى عملها نفسه. فهي، ومعها عدد من المختصّين الذين حاورتهم الكاتبة، يرون أن تنظيم الحياة والتفكير حول حقيقة الموت تجربة تبعث على الحياة لا على الكآبة.
لماذا نخاف الموت؟
يرى تود ماي، الذي يدرّس الفلسفة في كلية وارن ويلسون الأمريكية وألّف كتابًا عن الموت، أن الموت يربك الاتجاه المعتاد لحياتنا. فالناس، في الغرب وخارجه، يعيشون متطلّعين إلى الأمام: لا يقيمون في اللحظة، بل ينخرطون في مشاريع وعلاقات يتخيّلونها ممتدّة في الزمن. وفكرة أن لحياتنا نهاية تصطدم بهذا التوجّه نحو المستقبل.
أما الراهبة البوذية الأسترالية المولد تشان تري نغيم، من مدرسة الزن، فترى أن النظرة الفردية السائدة في الغرب تؤثّر في شعورنا تجاه الموت، إذ يشيع في الموروث اليهودي المسيحي، بحسب قراءتها، تصوّر للأفراد بوصفهم كائنات منفصلة لكل منها عمر محدود ينتهي في لحظة معيّنة، وهو تصوّر تراه مصدرًا للخوف والقلق. وفي التقليد البوذي، كما تشرح، تكون البدايات والنهايات أقل حدّة: فمتى بدأ وجودك؟ عند الولادة؟ أم في أشهر الحمل؟ أم حين كنت خلية في جسد أمّك؟ ومن هذا المنظور يغدو الموت استمرارًا أكثر منه نهاية.
وتضيف أَلوا آرثر، الكاتبة و«مرافقة نهاية الحياة» (وهي ترجمة لما يُعرف بـ«دولا الموت»، أي الشخص الذي يقدّم السند لمن يعيشون أيامهم الأخيرة ولذويهم)، أن فكرة الفناء تجرح أناواتنا الهشّة: فنحن لا نملك أي سيطرة، وهذا مزعزع للغاية. نظنّ أنفسنا معصومين، فيأتي الموت ليذكّرنا بمدى صغرنا. وهي فكرة تلتقي مع ما يكشفه خوفنا من الاعتراف بأننا لا ندري.
ويثير التفكير في الموت، كما تقول لويي كاثي تشانغ، الطبيبة العاملة في الرعاية التلطيفية، مشاعر كبيرة يفضّل معظم الناس تجنّبها. فكثيرون منّا غير مهيّئين للتعامل مع المشاعر الصعبة، والموت ربما يكون ذروتها؛ ومن الأسهل أن نقول لأنفسنا إننا سنواجهه حين يأتي، بدل أن نواجه مشاعرنا الآن.
وأخيرًا، صار الموت يحدث بعيدًا عن الأنظار، في المستشفيات ودور رعاية المسنّين، كما تذكّر هون. فعلى امتداد التاريخ كان الموت من حولنا، وكنّا نعتني بالمرضى والمحتضرين في البيوت، فنُضطرّ إلى الحديث عنه والتفكير فيه. وقد تسارع هذا التحوّل في منتصف القرن العشرين: ففي بوسطن عام 1912 كان نحو ثلثي السكان يموتون في بيوتهم، وبحلول خمسينيات القرن الماضي صار معظم الأمريكيين يموتون في المستشفيات، ثم ثلثاهم على الأقل في السبعينيات، بحسب ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2019 عن الطبيب حيدر وارايتش. ومع غياب الموت عن محيطنا القريب، صار بالنسبة إلى كثيرين أمرًا بعيدًا مجرّدًا.
الاستعداد خير من الإنكار
تحذّر ألوا آرثر من أن تجنّب الحديث عن الموت أو التفكير فيه لن يمنع وقوعه، بل يعني فقط أننا سنكون غير مستعدّين حين يحلّ. والتفكير في الجوانب العملية للموت والتخطيط لها، من الوصية إلى ترتيب الأوراق الإدارية، يخفّف العبء عن أحبّتنا، فلا يجدون أنفسهم غارقين في الحزن وهم يبحثون في الوقت نفسه عن وثائق رسمية ضائعة.
وترى الطبيبة تشانغ أن التخطيط للطريقة التي نودّ أن نقضي بها أيامنا الأخيرة يمنحنا شيئًا من الإمساك بزمام الأمر، فنختار أن نكون طرفًا فاعلًا فيه بدل أن يغمرنا الضغط والاضطرار.
ما الذي يمنحه التفكير في الموت للحياة؟
تقول الكاتبة إنها حاورت أكثر من عشرة مختصّين في شؤون الموت، وإن فكرة واحدة كانت تتكرّر لديهم: التفكير في الموت يساعدنا على أن نحيا حياة أفضل. فتقبّل حقيقة أننا سنموت، بحسب هون، يتيح لنا أن نعيش بغاية ووضوح. وقد جعلها فقدان ابنتها ومواجهة الحزن في عملها تدرك قِصَر الحياة وهشاشتها، ومتى أدرك المرء ذلك صار عليه أن يعرف من هم الأشخاص الأهمّ في حياته وأن يركّز عليهم.
ويعين التأمّل في فنائنا كذلك على وضع الأمور في حجمها الحقيقي، كما تلاحظ تشانغ: هل سيعني لك ذلك الازدحام المروري المزعج شيئًا وأنت على فراش الموت؟ وإذا كنت تتردّد في دعوة أحدهم إلى العشاء، أو في التقدّم إلى وظيفة، فاسأل نفسك بماذا ستشعر في آخر حياتك إن لم تجرّب حظّك. قد يكون هذا التحوّل في زاوية النظر كافيًا لتجاوز الخوف أو العجز عن البدء.
ويساعدنا هذا التأمّل أيضًا على تذوّق حياتنا الآن. فإذا سألنا أنفسنا: ماذا لو كانت هذه آخر مرة أتناول فيها العشاء مع عائلتي؟ صار الحدث الذي يبدو عاديًا مألوفًا تجربة مختلفة تمامًا، كما تختم تشانغ. وربما كان في ذلك ما يذكّر بقيمة الحضور الكامل مع من نحبّ، بعيدًا عن المشتّتات.
ليس المقصود إذن أن نعيش في ظلّ الموت، بل في ضوئه: أن نستعيده من غرف المستشفيات المغلقة إلى أحاديثنا اليومية، لا لنستسلم للخوف، بل لنرى بوضوح أكبر ما يستحقّ أن نمنحه وقتنا القصير.
اقرأ أيضًا في شبكتنا
- شلل المهام: لماذا نعجز عن البدء بما نريده فعلًا، وكيف نتجاوز ذلك؟ على منصة سكينة.
- «العقل غير الهشّ»: طبيب يدعو إلى حمل تشخيصات الصحة النفسية بخفّة وأمل على منصة سكينة.
- لماذا نخشى أن نقول: لا أدري؟ على منصة فِكرة.

