«ضدّ المكمّلات الغذائية»: اعترافات مُبشِّر سابق بالفيتامينات خدعه انحياز التأكيد

حُرِّر بتاريخ 4 نونبر 2026
منصة سَكينة


«ستتخلّص منها في البول فحسب». بهذه العبارة الساخرة، وبلكنته الاسكتلندية، اعتاد عالم النفس ستيوارت ريتشي أن يردّ على صديقه بن ساوثوود كلما حدّثه عن الحبوب والكبسولات التي يتناولها كل صباح. لم يقتنع ساوثوود يومها، وظلّ سنوات طويلة مؤمنًا متحمّسًا بالمكمّلات الغذائية، بل كان قبل خمس سنوات فقط يحتفظ بقائمة طويلة منها يوصي بها الناس العاديين. أما اليوم فلا يتناول شيئًا على الإطلاق، ولا يرى، كما يكتب في مقالة نشرها في 23 أكتوبر 2026 على مجلة «وركس إن بروغرس» التي يعمل محرّرًا فيها، أن لدى أي شخص سببًا وجيهًا لتناولها ما لم يكن لديه مبرّر محدّد، كتحليل دم يكشف نقصًا أو نصيحة من طبيبه.

من مبشِّر بالمكمّلات إلى متشكّك فيها

كان منطق ساوثوود في «حقبة المكمّلات»، كما يسمّيها، بسيطًا في ظاهره: لا شيء يضمن أن غذاءنا اليومي يمنحنا القدر الأمثل من كل فيتامين ومعدن ومركّب نباتي، وقد يكون هذا القدر الأمثل أعلى بكثير من الحدّ الأدنى الذي يقي من النقص. ومن هنا رأى أن المراهنة على بعض المكمّلات تستحقّ العناء متى توفّرت الأدلّة المناسبة. فتناول الكولين، وفيتامين «ك2» بصيغتيه المعروفتين اختصارًا بـ«إم كيه 4» و«إم كيه 7»، وزيت السمك الغني بأحماض «أوميغا 3»، وجنين القمح لما يحويه من مركّبات «السبيرمين» و«السبيرميدين»، بل حتى الغلايسين، وهو حمض أميني حلو المذاق قليلًا يتداول مستخدمو الإنترنت أنه يحسّن النوم.

ولم يكتفِ بنفسه؛ فقد كان مبشّرًا حقيقيًا، أقنعت حماسته وبحوثه المستفيضة كثيرين على مرّ السنين بتجربة هذا المكمّل أو ذاك من قائمته الدائمة التبدّل. ويعترف بأن جمهوره كان سهل الإقناع، لأن الميل إلى المكمّلات يكاد يكون كونيًا: ربما بوصفه ذاكرة شعبية موروثة عن أمراض النقص القديمة كالبري بري والبلاغرا والإسقربوط والكساح، وربما بوصفه غريزة إنسانية خالصة، هي الغريزة نفسها التي تجعلنا نتمنّى الخروج من عيادة الطبيب ومعنا وصفة دواء.

منهج ثلاثي بدا محكمًا

لم تكن اختيارات ساوثوود عشوائية، بل قامت على منهج من ثلاثة شروط: أن تكون هناك قصة تطوّرية معقولة تفيد بأن أسلافنا عاشوا في بيئة أغنى بهذه المادة من بيئتنا الحديثة؛ وأن يكون هناك تفسير منطقي، غير متنازع عليه بوضوح، لطريقة عملها في الجسم؛ وأن تشير غالبية الأدلّة إلى أن تناولها يرتبط على الأقل بصحة أفضل، والأفضل أن تُثبت تجارب جيّدة التصميم أنه يسبّبها فعلًا.

فكيف انهار كل شيء رغم هذا المنهج الصارم؟ يجيب الكاتب بأن المنهج كان معيبًا، وأنه طبّقه تطبيقًا سيئًا فوق ذلك. والعلّة الأساسية هي علّة كل تنظير: ما أسهل أن يؤكّد المرء فرضياته العزيزة عليه إذا راح يفتّش عمّا يؤيّدها، وهي العلّة التي وُضع المنهج العلمي أصلًا لعلاجها. أما العلّة الثانية، التي لا تقلّ خطورة، فهي أن معظم الإنتاج العلمي يكاد يكون بلا فائدة.

انحياز التأكيد: حبّ الآراء النادرة وهوس الطعام

يعترف ساوثوود بسمة نفسية فيه، يتردّد بين تسميتها طبعًا أو عيبًا: إنه يستمتع بامتلاك آراء أصيلة ونادرة وطريفة، وهو ما يُعرف في بعض أوساط الإنترنت بـ«المخالفة من الدرجة الثانية»، أي التميّز حتى عن المخالفين أنفسهم. ويقرّ بأنه يتعلّق بهذه الآراء قليلًا، ويحرص على إثبات صحّتها.

وقد اجتمعت هذه السمة بأخرى يصفها بلا تردّد بأنها عيب: الهوس بالطعام. فقد كان طفلًا شديد الانتقائية لا يأكل إلا بضعة أصناف بسيطة، وامتنع في مراهقته تمامًا عن الملوّنات والمنكّهات الاصطناعية، وظلّ سنوات لا يأكل إلا في نافذة زمنية من ستّ ساعات بين الثانية ظهرًا والثامنة مساءً، ثم أحصى السعرات الحرارية بهوس في فترات، وقاطع النشويات كليًا في فترات أخرى، وهو اليوم يكثر من الألياف. ويصف نفسه بأنه يتنقّل بين صيحات الحميات كمن يبدّل قناعاته الكبرى باستمرار.

هكذا راح يبحث عن أدلّة تبرّر اعتقاده بأننا نعاني نقصًا في فيتامين «ك2» لأن غذاءنا الحديث فقير بالكبد وأجبان جبال الألب والزبدة المستخرجة من أبقار تتغذّى على العشب. وبدت القصة متكاملة: رواية تطوّرية أنيقة، وآلية معقولة تفيد بأن هذا الفيتامين يمنع تكلّس الشرايين الناجم عن الإفراط في الكالسيوم، وأدلّة على أن البالغين الذين يحصلون على قدر أكبر منه أوفر صحة، بل دراسات أكاديمية تخلص إلى أنه يحسّن الصحة. فاختار علامة تجارية بعينها رأى أنها توازن على النحو الصحيح بين الصيغتين.

وعلى هذا المنوال بنى آراء معقّدة في كل مكمّل: ما هو خطِر كالنحاس، وما هو عديم الجدوى كفيتامينات «ب» باستثناء «ب12» والكرياتين لمن يأكلون اللحوم، وما هو ضروري في نظره. ويقرّ بأن هذا التعقيد نفسه كان مصدر المتعة الأكبر، تمامًا كما يستمتع هواة بعض الألعاب بعوالمها المليئة بالأساطير والتفاصيل، أو عشّاق بعض الرياضات بإحصاءاتها الغزيرة.

وبلغ هذا الولع ذروته مع أفكار الراحل راي بيت، صاحب الآراء الغذائية الغريبة التي يختلف حولها حتى أتباعه، ومنها الإكثار من السكّر، ولا سيما في صورة المثلّجات وعصير البرتقال، لتنشيط الأيض، بل تناول غدّة درقية بقرية مجفّفة. ويعترف ساوثوود بأن تبنّيه لهذه الأفكار كان تظاهرًا خالصًا يستمتع به في السهرات أمام جمهور مذهول، لكنه كشف له حقيقة ما كان يجري: لم يكن يؤمن فعلًا بكل ما يتناوله، بل كان يعتزّ بامتلاك معرفة غذائية باطنية، أشبه بكاهن من كهنة الأزمنة الغابرة. وهذا ما أعماه عن أن جانبًا كبيرًا من بحثه لم يكن سوى انحياز للتأكيد.

هل معظم الأبحاث شبه عديم القيمة؟

غير أن المشكلة الأعمق كانت في مكان آخر. فقد ظلّ صديقه ريتشي وزميلته سالوني داتاني يحذّرانه منذ زمن من أن العلم مثقل بالهراء، وكان يقبل ذلك عقليًا من دون أن يتسرّب إلى حدسه؛ إذ ظلّ يعتقد أن كومة كبيرة بما يكفي من الأوراق البحثية تسمح باستخلاص نتائج موثوقة. أما اليوم فيرى أن نحو تسعين في المئة من الأبحاث تكاد تكون بلا قيمة.

وجاءه المبرّر الفكري لهذا التشكّك من تدوينة على مدوّنة «ميلكي إغز» عن إطالة العمر، خلاصتها أن الورقة البحثية المتوسطة في علوم التغذية بلغت من الرداءة، بسبب ممارسات بحثية سيئة تمتدّ من التزوير إلى التلاعب الإحصائي بالنتائج، حدًّا يجعل حتى مجموعات كبيرة من الدراسات تخطئ لا في حجم الأثر فحسب، بل في اتجاهه أيضًا. فمن السهل على نحو مدهش إنتاج عشرات الأوراق التي «تثبت» أمرًا خاطئًا، يضاف إلى ذلك أثر القطيع الذي يدفع الباحثين إلى السير خلف التيار.

ويضرب ساوثوود مثلًا بالغلايسين نفسه: فالآلية المقترحة لإسهامه في إطالة العمر أنه يكبح أثر حمض أميني آخر هو الميثيونين في مسار إشارات خلوية بعينه. لكن مع أدلّة بهذا الضعف والتضارب، كيف يمكن التيقّن من أن أي حمض أميني آخر نتناوله مكمّلًا لا يفعل فعل الميثيونين، أي عكس ما نرجوه؟

ما الذي يبقى من الدرس؟

لا يزعم الكاتب أن المكمّلات لا تفيد أحدًا من الناس العاديين أبدًا، لكنه يقرّ بأنه تعلّم الدرس. فقد كان يسخر من صديقه ريتشي الذي يظنّ أن «النظام الغذائي المتوازن» كافٍ ليستوفي الجسم ما يحتاجه من المغذّيات الدقيقة، ثم انتهى إلى الاعتراف بأن ريتشي كان صاحب الضحكة الأخيرة.

وتتجاوز قيمة هذه الاعترافات موضوع الفيتامينات. فهي درس في علم النفس قبل أن تكون درسًا في التغذية: إن أكثر الناس اطّلاعًا ليسوا بمنأى عن خداع أنفسهم، وكثرة القراءة قد تتحوّل إلى أداة لتعزيز ما نؤمن به سلفًا بدل أن تكون وسيلة لاختباره. ولعلّ الخلاص يبدأ من ذلك التواضع المعرفي الذي دعا إليه الطبيب غافين فرانسيس في نظرته إلى حدود التشخيص النفسي، ومن شجاعة أن نقول «لا أدري» متى كانت الأدلّة أضعف من أن تحمل يقيننا.

ويبقى أن نصّ ساوثوود شهادة شخصية لا توصية طبية؛ فمن ثبت لديه نقص بالتحليل، أو وصف له الطبيب مكمّلًا بعينه، يتّبع إرشادات طبيبه، وهو المبرّر نفسه الذي يستثنيه الكاتب من تشكّكه.

اقرأ أيضًا في شبكتنا