«الحياة صعبة في جوهرها». بهذه العبارة للطبيب النفسي وطبيب الأطفال الإنجليزي دونالد وينيكوت يفتتح الطبيب والكاتب الاسكتلندي غافين فرانسيس تأمّلاته في كتابه الجديد «العقل غير الهشّ: نداء طبيب لاستعادة الأمل والإنسانية في رعاية الصحة النفسية»، الصادر هذا العام عن دار «ذي إكسبيريمنت». ويرى وينيكوت أن في كل إنسان أعراضًا قد يصبح أيّ منها، في ظروف معيّنة، علامة مرض، وأن أكثر البيوت دفئًا وتفهّمًا لا يغيّر حقيقة أن النموّ الإنساني العادي شاقّ.
وفي مقتطف من الكتاب نشره موقع «بيغ ثينك»، يلاحظ فرانسيس أن الأطباء يسمّون المشاعر التي تتسرّب إلى وعينا «أعراضًا» حين تكون سلبية، بينما نعدّها مجرّد عناصر من العافية حين تكون إيجابية. ويذكّر بأن أحوال النفس قد تسجننا، وتحرمنا النوم، وتُغرقنا في الإدمان، وتُفسد قدرتنا على التركيز والرضا، بل قد تهدم الأسر وتعزلنا عن الجماعة التي كان يمكن أن تسندنا. ولذلك فإن الطريقة التي نسمّي بها هذه الاضطرابات ونفهمها ليست تفصيلًا، بل لها أثر بالغ في طريق العودة إلى الطمأنينة.
كلمات الطب قوية… وقد تكون تعويذة
صار من المألوف، كما يقول فرانسيس، أن نتحدّث عن المعاناة النفسية بوصفها نتاج «اضطرابات» منفصلة، كأن التسميات التي نطلقها عليها تملك الواقعية نفسها التي يملكها مرض يمكن التحقّق منه مخبريًا. بل صار كثيرون يستعملون عبارة «الصحة النفسية» مرادفةً لـ«المرض النفسي». ولا ينكر الكاتب مكاسب هذا التحوّل: فقد خفّف الوصم، وشجّع المتألّمين على طلب العون، وأنشأ جماعات دعم، ورفع عن كثيرين شعورًا قديمًا بالذنب. لكنه يحذّر من أن كلمات الطب قوية، وأن التسميات الطبية قد تتحوّل إلى ما يشبه التعاويذ التي تحقّق ذاتها، فتلعن بقدر ما تشفي.
ويستشهد بالكاتبة الأمريكية إزمي ويجون وانغ، التي روت في مذكّراتها تجربتها مع الاضطراب الفصامي الوجداني، فكتبت أن تشخيصها الجديد لم يحمل أي أثر علاجي، لكنه أوحى لها بأن أداءها لحياتها على نحو جيّد سيكون صعبًا إن لم يكن مستحيلًا. كما ينقل سخرية الطبيب النفسي البريطاني والممثل الكوميدي بنجي ووترهاوس، الذي تساءل إن لم يكن من الأصدق أن يستبدل بالرموز التشخيصية التي يملأ بها الاستمارات عبارات من قبيل «لا أعرف إطلاقًا» أو «متلازمة الحياة البائسة» أو «طبيعي تمامًا في الحقيقة».
ويقول فرانسيس إنه عرف أشخاصًا تبدّلت مصائرهم، نحو الأحسن أو الأسوأ، لمجرّد حصولهم على تسمية تشخيصية جديدة، مع أن كثيرًا من هذه التسميات لا أساس موثوقًا لها سوى توافق لجنة من الأطباء. ويلاحظ في السنوات الأخيرة أمرين متعاكسين: تزايد عدد من يعتقدون أن هذه التسميات حقائق ثابتة قائمة على أدلة صلبة، فيرونها قدرًا مكتوبًا؛ وتزايد القلق في الوقت نفسه من أنها قد تعزّز نفسها بنفسها، مع تساؤل متنامٍ عن السلطة التي تستند إليها.
شبكة تتّسع باستمرار
يرى فرانسيس أن القرن الحادي والعشرين يشهد «وباءً» من اعتلال الصحة النفسية، على الأقل وفق المعايير التي يعتمدها الطب النفسي الحديث. ويذكر أن استطلاعًا حديثًا شمل ألف شاب في المملكة المتحدة وجد أن أكثر من ثلثيهم يعتقدون أنهم مصابون، أو كانوا مصابين، باضطراب نفسي. ففي الوقت الذي تتّسع فيه معايير ما يُعدّ مرضًا، تنخفض عتبات التشخيص.
ويعود الكاتب إلى دراسة أمريكية من سنة 2008 خلصت إلى أن نصف السكان في الولايات المتحدة سيستوفون، في مرحلة ما من حياتهم، معايير مرض نفسي، وأن ربعهم يعانون منه في أي وقت، وفق الطبعة الرابعة من «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية» الذي تصدره الجمعية الأمريكية للطب النفسي. ويصف هذا الدليل بأنه يُعدّ «إنجيل» الطب النفسي الغربي، مع أنه تحوّل في الواقع إلى دليل للفوترة في نظام الرعاية الصحية الأمريكي، ولم يوضع أصلًا ليقرّر حقائق نهائية عن العقل. ثم جاءت طبعته الخامسة سنة 2013 لتوسّع الشبكة أكثر، كما وُسّعت تصنيفات أخرى، كالتصنيف الدولي للأمراض المعتمد غالبًا في أوروبا، والتصنيف الصيني للاضطرابات النفسية في شرق آسيا، ونظيراتها في اليابان وكوبا وأمريكا اللاتينية.
الخريطة ليست الأرض
يستعير فرانسيس هنا عبارة شهيرة: الخرائط ليست الأرض التي تمثّلها. وكذلك خرائط العقل، كالدليل التشخيصي والتصنيف الدولي، ليست سوى نماذج لطريقة التفكير في التفكير؛ أدوات لا قيمة لها إلا بقدر ما تساعدنا على تخفيف المعاناة ومواجهة تحدّيات البقاء على قيد الحياة. ولذلك يدعو إلى أن نحمل هذه التسميات «بخفّة أكبر وأمل أكبر»، وإلى قدر من المرونة والتواضع في فهم العقل، وهو تواضع قريب من شجاعة أن نقول «لا أدري» بدل التظاهر بيقين لا نملكه.
ويتّسع هذا التواضع ليشمل العلم نفسه. فالحقيقة المدهشة، كما يكتب، أن العلم لا يزال لا يفهم كيف تُحكَم تقلّبات المزاج: لا الأمزجة العابرة التي تأتي وتذهب من يوم إلى آخر، ولا الأمزجة الخلفية التي تتحرّك ببطء، وأحيانًا دون أن نشعر، على مدى أشهر وسنوات. ويقترح تشبيهًا موحيًا: إذا كانت المشاعر تأتي وتذهب كالطقس، فإن مزاجنا الأساسي أشبه بالمناخ، أكثر ثباتًا. لكن المناخ، كما صرنا نعرف جميعًا، قادر هو أيضًا على التغيّر.
ويصف فرانسيس الاكتئاب، مستعيرًا عبارة جان بول سارتر عن الانفعال بوصفه «تحويلًا سحريًا للعالم»، بأنه سحر قاتم: تنطفئ الألوان، ويصير الضحك متكلّفًا ثم مستحيلًا، ويفقد الفنّ والطبيعة والموسيقى قدرتها على الإمتاع، ويبدو كل شيء ثقيلًا باهتًا. وقد عرف أشخاصًا ألقى الاكتئاب على علاقاتهم ستارًا من الارتياب، وسلبهم فرحة لقاء الأهل والأصدقاء، ونال من دوافعهم وطموحهم وكل ما كان يُبهجهم.
ما الذي نستخلصه؟
لا يدعو فرانسيس إلى رفض التشخيص النفسي ولا إلى الاستغناء عن الطب، بل إلى وضعه في مكانه: أداة في خدمة الإنسان المتألّم، لا هوية تُلصق به ولا قدرًا يُكتب عليه. والمعاناة النفسية حقيقية دائمًا، وإن كانت الأسماء التي نطلقها عليها مؤقتة وقابلة للمراجعة. وفي هذا ما يفتح بابًا للأمل: فإذا كان المناخ نفسه قابلًا للتغيّر، فإن أحوال النفس، مهما بدت ثابتة، ليست قدرًا نهائيًا.
ومن يمرّ بضيق نفسي مستمرّ، فإن الحديث إلى طبيب أو مختصّ يبقى خطوة ضرورية؛ والمقصود هنا ليس التشكيك في العلاج، بل أن يدخل المرء هذا الحوار وهو يعرف أن التشخيص بداية فهم، لا نهاية حكاية.
اقرأ أيضًا في شبكتنا
- لماذا نخشى أن نقول: لا أدري؟ على منصة فِكرة، عن قيمة الاعتراف بحدود معرفتنا.
- كيف تستمتع بالعزلة وتحوّلها لقوة نفسية على منصة فِكرة.
- اكتشف منصّات شبكة المقالاتي العربية.

