كلّنا نسرح أحيانًا: في طابور الانتظار، أو في الطريق، أو قبل النوم، يأخذنا الذهن إلى مشاهد متخيَّلة ممتعة أو إلى حلول لمشكلات عالقة. وهذا نشاط ذهني طبيعي، يرى علماء النفس أنه قد يعزّز الإبداع والقدرة على حلّ المشكلات. لكن لدى فئة من الناس يتّخذ هذا الشرود شكلًا آخر تمامًا، فيستولي على ساعات اليقظة ويصير عادة يصعب الفكاك منها.
هذه الحالة تُسمّى «أحلام اليقظة المفرطة» أو غير التكيّفية (maladaptive daydreaming). وقد عرض موقع «سايبوست» المتخصص في علم النفس نتائج تحليل تجميعي واسع نُشر في «المجلة الدولية لعلم النفس» (International Journal of Psychology)، يكشف أن هذه العادة الغامرة ترتبط ارتباطًا قويًا بطيف واسع من الاضطرابات النفسية، ويخلص إلى أنها تستحق اعترافًا رسميًا من الأطباء النفسيين.
عوالم متخيَّلة تلتهم اليوم
يبني المصابون بهذه الحالة عوالم خيالية مفصّلة ومتشعّبة، يعيشون فيها ساعات طويلة، وكثيرًا ما يستعينون بموسيقى مؤثّرة وبحركات جسدية متكرّرة، كالمشي ذهابًا وإيابًا أو التلويح باليدين، لتغذية خيالهم. ومع الوقت تتحوّل العادة إلى ما يشبه الإدمان، فتحول دون أداء الواجبات الدراسية أو الاجتماعية أو المهنية الأساسية.
صاغ المصطلح سنة 2002 عالم النفس السريري إيلي سومر، من جامعة حيفا، لوصف مرضى كانوا يلجؤون إلى خيالات مستغرِقة وسيلةً للتكيّف مع صدمات عاشوها. ومنذ ذلك الحين يعمل سومر وباحثون آخرون على السؤال نفسه: هل تستحق هذه الحالة مكانًا في الأدلة التشخيصية للطب النفسي؟
فهي حتى اليوم غائبة عن الأدلة التشخيصية الكبرى، ولذلك يجد أصحابها صعوبة في الحصول على تشخيص دقيق. وكثيرًا ما يعدّها المعالجون مجرّد مبالغة بريئة في التفكير العادي، أو يوجّهون المرضى نحو تشخيصات أكثر شيوعًا لا تصف ما يعانونه فعلًا. فيلجأ كثيرون إلى الإنترنت بحثًا عن من يفهمهم، ويشير الباحثون إلى أن مئات الآلاف حول العالم يتبادلون الدعم والنصح في منتديات مخصّصة لهذه الحالة.
أربعون دراسة ونحو 25 ألف مشارك
لرأب الهوّة بين ما يرويه المرضى وتشكّك الأطباء، جمع سومر وزملاؤه أورين هيرسكو ومثنّى سمارة وهشام أبو ريّا بيانات الدراسات الكمّية المنشورة خلال العقدين الماضيين حول صلة أحلام اليقظة المفرطة بالضيق النفسي. فوجدوا أربعين دراسة مستوفية للشروط، شملت ما مجموعه 24977 مشاركًا.
أظهرت البيانات المجمّعة ارتباطًا إيجابيًا بالاكتئاب والقلق والتفكّك (وهو حالة يشعر فيها المرء بالانفصال عن أفكاره أو محيطه)، وارتباطًا ملحوظًا باضطراب الوسواس القهري واضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه. كما ارتبطت الحالة بتاريخ من التجارب الصادمة، وبأعراض ذهانية، وباضطراب طيف التوحّد، وبمقاييس عامة للاضطراب النفسي. ويرى الباحثون أن ثبات هذه النتائج عبر آلاف المشاركين يشير إلى ظاهرة سريرية حقيقية، لا إلى غرابة طبع لا ضرر منها.
الوحدة والخجل وضعف الثقة بالنفس
لم يقتصر الأمر على الاضطرابات المشخَّصة. فقد ارتبطت أحلام اليقظة المفرطة أيضًا بصعوبات في ضبط الانفعالات، وبمستويات أعلى من الشعور بالوحدة والخجل والاستخدام الإشكالي للإنترنت، وبضيق نفسي وأعراض جسدية لا يُعرف لها سبب طبي واضح. وفي المقابل، أظهر أصحابها كفاءة ذاتية أضعف، أي ثقة أقلّ في قدرتهم على النجاح في مواقف بعينها، وتقديرًا أدنى للذات. ويرى الباحثون أن اجتماع هذه المشاعر السلبية مع الاضطرابات الأخرى يدلّ على إعاقة وظيفية واضحة، وهي من المعايير المعتمدة في تشخيص الاضطرابات النفسية.
وهنا يحسن التمييز بين الانسحاب إلى خيال يحلّ محلّ الحياة، وعزلة مختارة يستعيد فيها المرء توازنه ويلاحظ أفكاره بدل أن يهرب منها؛ فالأولى تُبعد عن الذات والناس، والثانية قد تعيد إليهما.
فروق بحسب العمر والجنس
لاحظ الباحثون أن صلة أحلام اليقظة المفرطة بالاكتئاب والقلق كانت أقوى لدى المشاركين الأكبر سنًّا، بينما كانت صلتها بالتجارب الصادمة وبالوسواس القهري أقوى لدى الأصغر سنًّا. وفي العيّنات التي ترتفع فيها نسبة النساء، بدت الصلة باضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه أوضح، أما في العيّنات التي ترتفع فيها نسبة الرجال فكانت الصلة بالوسواس القهري أقوى.
ويقترح الفريق النظر إلى هذه الحالة بوصفها «عاملًا عابرًا للتشخيصات»، أي أن سماتها الأساسية، كاضطراب ضبط الانفعالات والاجترار الذهني الحادّ، تظهر عبر حدود اضطرابات متعدّدة. وقد يفسّر ذلك لماذا يلجأ أشخاص بتشخيصات نفسية مختلفة جدًّا إلى آلية التكيّف نفسها: الهروب إلى الخيال.
حدود ما نعرفه
يقرّ الباحثون بأن معظم الدراسات التي حلّلوها مقطعية، تلتقط صورة في لحظة واحدة، فلا تسمح بالجزم بالاتجاه: هل تسبّب أحلام اليقظة المفرطة الاضطرابات الأخرى، أم أن الضيق النفسي القائم هو ما يدفع إلى الهروب نحو الخيال؟ كما أن جلّ البيانات مستمدّ من استبيانات يملؤها المشاركون بأنفسهم، وهو ما قد يُدخل قدرًا من التحيّز الذاتي. ويدعو الفريق إلى دراسات تتابع المرضى على مدى سنوات، وإلى تطوير علاجات موجّهة واختبارها، بما يوفّر الأدلة التي تحتاجها اللجان الطبية للاعتراف الرسمي بالحالة، وهو اعتراف قد يخفّف الوصم ويفتح أمام أصحابها باب الرعاية المتخصصة.
متى يستدعي الأمر الانتباه؟
ليس كل من يسرح كثيرًا مصابًا بهذه الحالة. فالشرود العابر جزء من حياة الذهن السليم، وقد يكون مصدر إلهام وراحة. لكن حين يصير الخيال ملاذًا لا يستطيع المرء الخروج منه، ويستهلك ساعات طويلة على حساب الدراسة أو العمل أو العلاقات، ويرافقه شعور بالخجل أو العجز عن التوقف، فإن الحديث إلى مختصّ نفسي خطوة في محلّها، ولا سيما إذا اقترن بحزن مستمرّ أو قلق أو أثر صدمة قديمة.
اقرأ أيضًا في شبكتنا
- لماذا نخاف من البقاء وحدنا؟ على منصة فِكرة، عن الخوف من مواجهة الذات في الصمت.
- كيف تستمتع بالعزلة وتحوّلها لقوة نفسية على منصة فِكرة، عن الفرق بين العزلة الواعية والوحدة المؤلمة.
- اكتشف منصّات شبكة المقالاتي العربية.

