هل يقي فنجان القهوة اليومي من الاكتئاب؟ ما تقوله دراسة إيرانية عن الشاي والقهوة والمزاج

حُرِّر بتاريخ 27 أكتوبر 2026
منصة سَكينة

في كثير من بيوتنا العربية، لا يبدأ الصباح قبل كأس الشاي أو فنجان القهوة. ومنذ سنوات يتساءل الباحثون: هل لهذه العادة اليومية أثر في صحتنا النفسية؟ وقد جاءت الإجابات حتى الآن متضاربة، إذ وجدت بعض الدراسات أن هذين المشروبين يرتبطان بانخفاض احتمال الاكتئاب، ووجدت أخرى أنهما يفاقمان الأعراض أو لا يؤثّران فيها أصلًا.

ويرى الباحثون أن جزءًا من هذا التضارب قد يعود إلى اختلاف الثقافات في إعداد المشروبين واستهلاكهما، خصوصًا أن معظم الأبحاث أُجريت في الغرب وشرق آسيا، بينما تبقى الدراسات الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط نادرة. من هنا تأتي أهمية دراسة إيرانية عرض نتائجها موقع «سايبوست» المتخصص في أخبار علم النفس، ونُشرت في مجلة «ساينتفك ريبورتس» العلمية.

بلد الشاي يكتشف القهوة

اختار الفريق الذي قاده الباحث محمد متين مهجوريان، من جامعة طهران للعلوم الطبية، سياقًا لافتًا: إيران، حيث الشاي هو المشروب اليومي التقليدي والمتجذّر في الثقافة المحلية، في حين ازدادت شعبية القهوة خلال العقد الأخير، وإن ظلّ استهلاكها أدنى بكثير منه في أوروبا أو الولايات المتحدة. وهو تحوّل يجعل المقارنة بين العادتين ممكنة داخل المجتمع نفسه.

شملت الدراسة 1994 بالغًا من خمس مدن إيرانية كبرى، اختيروا من مشروع صحي أوسع يُعرف باسم «ليبوكاب» (LIPOKAP). وجلس مع كل مشارك مُحاور مدرَّب ليملأ معه استبيانًا غذائيًا مفصّلًا يضمّ أكثر من مئة صنف من الأطعمة والمشروبات، يقدّر فيه الشخص الكميات التي اعتاد تناولها ووتيرتها خلال السنة السابقة. ثم قُسّم المشاركون بحسب استهلاكهم اليومي للشاي إلى ثلاث فئات: أقلّ من كوب، ومن كوب إلى كوبين، وكوبان فأكثر. أما القهوة فقُسّموا بشأنها إلى فئتين فقط: من يشرب فنجانًا واحدًا على الأقل يوميًا، ومن لا يشربها. وقيست أعراض الاكتئاب والقلق باستبيانات نفسية مترجمة ومعتمدة.

الشاي: لا أثر يُذكر

جاءت نتيجة الشاي واضحة منذ البداية: لم يختلف المزاج بين من يشربون أكوابًا عدة ومن لا يكادون يشربونه. وظلّ الأمر كذلك بعد كل التعديلات الإحصائية.

القهوة: من نتيجة لافتة إلى ميل طفيف

أما القهوة فبدت الصورة الأولى مغرية: كان احتمال ظهور أعراض اكتئابية لدى من يشربون فنجانًا يوميًا على الأقل أقلّ بنحو 40% مقارنة بمن لا يشربونها، واحتمال القلق الشديد أقلّ بنحو 27%.

لكن الباحثين لاحظوا أن شاربي القهوة في هذه العيّنة كانوا أكثر نشاطًا بدنيًا، وأعلى تعليمًا، وأيسر حالًا من الناحية المادية. وهذه عوامل قد تفسّر وحدها تحسّن المزاج، دون أن يكون للقهوة دور. لذلك أعاد الفريق الحساب بعد احتساب العمر والجنس ومجموع السعرات والتدخين والنشاط البدني، إضافة إلى عناصر غذائية معروفة بصلتها بصحة الدماغ كحمض الفوليك والحديد والمغنيسيوم والزنك وفيتامين ب12.

بعد هذه التعديلات تغيّرت الصورة كثيرًا: اختفت الصلة بين القهوة والقلق تمامًا، وضعفت الصلة بالاكتئاب حتى لم تعد ذات دلالة إحصائية. وكل ما بقي هو ميل طفيف إلى أن يكون لدى شاربي القهوة أعراض اكتئابية أقلّ قليلًا، وهو ميل لا يكفي لإثبات أي أثر وقائي.



ماذا يفعل الكافيين في الدماغ؟

يستند الاهتمام بالقهوة إلى آلية بيولوجية معروفة. فالكافيين ينتقل من الدم إلى الدماغ، ويحتلّ مواقع على سطح الخلايا العصبية تُسمّى مستقبلات الأدينوزين. والأدينوزين جزيء يتراكم خلال النهار ويرسل إلى الجهاز العصبي إشارة التباطؤ والنعاس. حين يسدّ الكافيين هذه المستقبلات، يرتفع نشاط نواقل عصبية أخرى، منها الدوبامين المرتبط بالدافعية والمكافأة والإحساس بالمتعة، والنورأدرينالين الذي يرفع اليقظة والتركيز. وهذا ما يمنح فنجان الصباح أثره المنبّه، ويجعله على المدى القصير محسّنًا خفيفًا للمزاج.

غير أن الجسم سريع التكيّف: مع الاستهلاك اليومي ينتج الدماغ مستقبلات أدينوزين جديدة تعويضًا عن المسدودة، فيحتاج المرء إلى كمية أكبر للحصول على الأثر نفسه، وهو ما يُعرف بالتحمّل. وهكذا قد لا تفعل القهوة اليومية أكثر من إعادة المزاج إلى مستواه المعتاد، ويصبح التخلّي عنها مصدرًا للخمول والعصبية. ويُضاف إلى ذلك عامل وراثي: فبعض الناس يتخلّصون من الكافيين بسرعة، بينما يبقى في أجسام آخرين ساعات طويلة فيسبّب لهم الأرق والتوتر وتسارع ضربات القلب، وقد ينتهي به الأمر إلى زيادة الضيق النفسي بدل تخفيفه.

حدود الدراسة

يقرّ الباحثون بعدة حدود لعملهم. أولها أن الدراسة مقطعية، أي أنها تلتقط صورة واحدة في لحظة واحدة، فلا تسمح بمعرفة اتجاه العلاقة: هل تقي القهوة من الاكتئاب، أم أن المكتئبين يفقدون الرغبة في إعداد قهوتهم الصباحية أو يتجنّبونها لأنها تزيد قلقهم؟ وثانيها اعتماد البيانات على ذاكرة المشاركين في تقدير ما تناولوه طوال سنة كاملة، وهي ذاكرة تخطئ زيادةً أو نقصانًا. وثالثها أن الدراسة استبعدت المصابين بأمراض مزمنة خطيرة، فجاءت العيّنة أوفر صحة من عموم الناس. ورابعها، وهو الأهم، أن عدد من يشربون القهوة يوميًا لم يتجاوز 348 شخصًا من أصل نحو ألفين، وهو عدد صغير يحدّ من قدرة الحساب الإحصائي على رصد الفروق الدقيقة. ولذلك يدعو الفريق إلى دراسات طويلة الأمد تتابع مجموعات كبيرة من الأصحاء سنوات عدة لرصد تغيّر صحتهم في حينه.

في سياق أوسع

لا تأتي هذه النتيجة منعزلة. فقد خلص تحليل تجميعي نُشر سنة 2023 وضمّ 29 دراسة إلى أن استهلاك القهوة في الدراسات الطولية يرتبط بانخفاض متواضع في أعراض الاكتئاب، مع تصنيف مستوى الدليل بأنه منخفض. وفي مراجعة أحدث شملت 59 دراسة وأكثر من مليوني مشارك، ارتبطت المشروبات غير الكحولية عمومًا بارتفاع احتمال الاكتئاب والقلق، ولا سيما المشروبات المحلّاة والغازية ومشروبات الطاقة، بينما شذّت القهوة عن هذا النمط فارتبطت بانخفاض احتمال الاكتئاب دون أثر في القلق. وفي الحالتين يذكّر الباحثون بأن معظم هذه الدراسات رصدية لا تثبت علاقة سببية.

ما الذي نستخلصه؟

الخلاصة الأمينة أن كأس الشاي لا يبدو أنه يرفع المزاج أو يخفضه، وأن فنجان القهوة قد يرافقه ميل طفيف نحو أعراض اكتئابية أقلّ، لكن لا شيء في هذه الأرقام يسمح بوصفه علاجًا أو وقاية. ويبدو أن ما يحمي المزاج فعلًا أقرب إلى ما كشفته الدراسة عرضًا عن شاربي القهوة أنفسهم: نشاط بدني أكثر، وتعليم أفضل، وظروف معيشية أيسر.

فإن كنت تحبّ قهوتك فاستمتع بها باعتدال، وراقب أثرها في نومك وتوترك. ومن يعاني حزنًا مستمرًّا أو قلقًا يعطّل حياته اليومية، فإن الحديث إلى طبيب أو مختصّ نفسي هو الخطوة التي لا يعوّضها أي مشروب.

اقرأ أيضًا في شبكتنا