الزعفران وكبد النعامة والمشي في الحدائق: كيف داوى أهل العصور الوسطى النفس المتعبة؟

حُرِّر بتاريخ 27 أكتوبر 2026
منصة سَكينة

ذات صباح في أواخر القرن الثاني عشر، وصل الأسقف هيو، أسقف لينكولن، إلى قرية تشيسهنت الإنجليزية، فأحاط به الأهالي يتوسّلون إليه أن يعود جارًا لهم. وجد الأسقف بحّارًا مطروحًا على الأرض، رأسه مشدود إلى عمود ويداه مربوطتان إلى أوتاد، يتلوّى ويصرّ بأسنانه ويقلب عينيه. كان التشخيص في نظر الجميع واضحًا: مسٌّ شيطاني لا يُشفى إلا بالرقية وطرد الجنّ. وبهذه الصورة، صورة الخوف والقسوة والخرافة، اعتدنا أن نختزل علاقة أهل العصور الوسطى بالمرض النفسي.

غير أن المؤرخة البريطانية كاثرين هارفي، الباحثة الفخرية في كلية بيركبيك بجامعة لندن والمتخصّصة في تاريخ العصور الوسطى، تدعونا في مقالة مطوّلة نشرتها مجلة «إيون» إلى النظر أبعد من سِيَر القدّيسين وحكايات المعجزات. فحين انتقلت من النصوص الدينية إلى كتب الطب و«التدابير الصحية»، وهي أدلّة عملية للعيش السليم انتشرت انتشارًا واسعًا في أوروبا أواخر العصر الوسيط، وجدت أناسًا يتحدّثون عن صحتهم النفسية بلغة تكاد تكون لغتنا.

الأخلاط الأربعة وميزان الانفعالات

قام الطب السائد آنذاك على نظرية الأخلاط الأربعة: الدم والبلغم والسوداء والصفراء، والصحة عنده توازنٌ بينها. ولحفظ هذا التوازن، كان على المرء أن يُحسن تدبير «الأمور الستة غير الطبيعية»، وهي عوامل خارجية تؤثّر في البدن مباشرة، من بينها كثير ممّا يشغلنا اليوم: الغذاء والرياضة والنوم، ثم الأعراض النفسانية أي الانفعالات.

نصح الطبيب الإشبيلي خوان دي أبينيون في القرن الرابع عشر من يريد حفظ صحته بأن يتجنّب الغضب والضيق والهمّ ما استطاع، لأنها تُلحق بالجسد ضررًا بالغًا. وحذّر الطبيب البافاري أرنولد فون بامبرغ من أن اضطراب المشاعر يُفسد الأكل والحركة والنوم معًا. ولم يكن هذا كلامًا نظريًا فحسب؛ ففي سنة 1395 أصيب التاجر والسياسي الإيطالي نيكولايو مارتيني بحمّى شديدة، فأسرّ إلى صديقته مارغريتا داتيني بأن المرض ألمّ به بعد أن اغتمّ غمًّا شديدًا لنتيجة انتخابات جرت قبل ذلك بقليل.



الخوف والغضب وثقل المسؤولية

بعض الانفعالات كان يُعدّ قاتلًا. فمن المعجزات المنسوبة إلى ذخيرة القديس يعقوب في دير ريدينغ شفاءُ فتاة تُدعى أليس، رأت شبحًا وهي تحلب الغنم، فتجمّد الدم حول قلبها من الرعب واختلطت حواسها حتى ألقت بنفسها في النار. أما الغضب فيُسخّن الجسد ويجفّفه، وقد زعم أحد المؤرخين أن مرض الملك الإنجليزي هنري الأول الأخير بدأ بخلاف حادّ مع ابنته.

ولم يغب عن أطباء ذلك الزمن خطرُ الضغط المزمن. تحبّ هارفي صورة من تلك النصوص تشبّه العقل بقوس مشدود: قويّ، لكنه لا يحتمل الشدّ الدائم، ولذلك تُقصّر الخصوماتُ المنزلية المستمرّة الأعمار. وفي كتاب إنجليزي في آداب السلوك من مطلع القرن الثالث عشر، يصف دانيال البِكلزي ربَّ البيت بأنه يعيش كنملة كادحة، تنهش الهموم أحشاءه. وكتب كاتب سيرة الفارس الفرنسي بوسيكو (نحو 1366-1421) أن من يحبّه حقًا ينبغي أن ينصحه بشيء من الراحة والترويح، وإلا مرض لا محالة.

بل إن الأديرة، التي نتخيّلها ملاذًا هادئًا، عرفت نصيبها من الإنهاك. فقد اشتكى ماثيو، وهو راهب من دير ريفو في القرن الثالث عشر، إلى صديقه رئيس دير بايلاند من أن مهامّه في قيادة الترتيل تمرضه، وأنه لا يجد راحة في عظامه من أخمص قدميه إلى قمّة رأسه. وفي دير سانت ألبانز انهار الراهب ألكسندر دي لانغلي تحت عبء العمل، ثم لمّا خُفّف عنه انكبّ على الدرس حتى ذهب بعقله.

القلق و«السوداء»

من أكثر الشخصيات حضورًا في مقالة هارفي التاجر التوسكاني فرانشيسكو داتيني (نحو 1335-1410)، الذي يتّمه الطاعون صغيرًا، وظلّ طوال حياته يقلق على تجارته وعلى عودة الوباء. كتب لزوجته مارغريتا سنة 1395 أنه رأى في منامه بيتًا يتهاوى وأهله جميعًا في داخله، فذكّره ذلك بسفينة لم تصله أخبارها منذ شهرين، وأنه من كثرة الهموم يعجب كيف لم يفقد عقله. وكانت مارغريتا تخشى عليه من «السوداء» أو المالنخوليا، وتسأله لماذا يُطيل التفكير فيما يضرّ جسده وروحه معًا.

كانت المالنخوليا، كالاكتئاب في أيامنا، تتّسم بحزن مقيم وفتور تجاه الحياة اليومية. وممّن كتبوا عنها بتفصيل مؤثّر ملكُ البرتغال دوارتي (1391-1438)، الذي أصابته أول مرة حين تولّى الوصاية على العرش في أثناء تفشٍّ كبير للطاعون. وكان الرهبان عرضة لحالة قريبة سمّوها «الأسيديا»، أي الضجر الروحي والفتور، فيمشون بين إخوتهم كأنهم أنصاف أموات.

وتجدر الإشارة إلى أن تصوّر أوروبا للسوداء لم يولد في فراغ؛ فنظرية الأخلاط بلغتها في جانب كبير منها عبر الطب العربي، ومن ذلك رسالة إسحاق بن عمران في الماليخوليا التي نقلها قسطنطين الإفريقي إلى اللاتينية، وفصول ابن سينا عنها في «القانون في الطب».


من الزعفران إلى «الوصفة الاجتماعية»

لم يكن لدى أهل العصور الوسطى أدوية نفسية ولا معالجون نفسيون، لكن الطب كان يزداد اهتمامًا بصلة النفس بالبدن. فالمصاب بالسوداء، في نظرهم، يعاني فائضًا من الخلط الأسود يملأ الدماغ ضبابًا ويحجب صفاء التفكير، فيُعالج بإخراج الفائض وتدفئة الجسد، بأشربة من القرفة وعرق السوس أو بالتدليك بالزيوت الدافئة.

وكانت لهم أيضًا «مفرّحاتهم». فالزعفران عندهم يجلب البهجة، حتى إن مجموعة وصفات من ويلز تعود إلى نحو سنة 1400 حذّرت مازحةً من الإكثار منه خشية أن يموت المرء من فرط السعادة، ونُسبت قدرات مشابهة إلى الزعتر البري والشمّر. وقد يُنصح المكتئب بأكل كبد النعامة، أو يُدعى، على طريقة الراهبة الألمانية هيلدغارد البنغية (1098-1179)، إلى التحديق في حجر العقيق اليماني ثم وضعه في فمه ليزول عنه الغمّ.

لكن هذه العلاجات كانت تُقرن دائمًا بتغيير نمط العيش، على نحو يذكّر بما يسمّيه الأطباء اليوم «الوصفة الاجتماعية». فحين عالج الطبيب الفلورنسي تاديو ألديروتي سيّدَ فيرارا أوبيتسو الثاني ديستي، الذي عانى الحزن والأرق أكثر من عامين، وصف له المشي، والنظر إلى ما يحبّه من جميل الأشياء، وسماع الأغاني والآلات التي تطربه، بل وأن يُبشَّر بأرباح وفيرة من تجارته. فالفرح عندهم ليس دواءً فحسب، بل ركن من أركان العيش السليم: يرطّب البدن بعد أن تجفّفه سائر الانفعالات، ويصفّي الدم، ويشحذ الذهن، ويُنضر البشرة.

الرفقة والقراءة والموسيقى والحدائق

دعا الأطباء الناس إلى كل ما يسرّي عنهم: صحبة الأحبّة أولًا، كصداقة داتيني بالمحامي لابو مادزي، الذي رجته مارغريتا أن يحكي لزوجها من نوادره ما يسلّي حزنه. ثم الحيوانات الأليفة: القطط والكلاب والطيور، بل إن روبرت دي إنسولا، أسقف دورهام في أواخر القرن الثالث عشر، اقتنى قرودًا ليخفّف عنه همومه، وكان لألفونسو العاشر ملك قشتالة ابن عرس يحبّه ويحمله معه أينما ذهب.

وكانت القراءة تُعدّ نشاطًا صحيًا، بشرط أن يُحسن المرء اختيار كتبه؛ فقد نُصح راهب مريض بالكفّ عن قراءة قصص الاستشهاد والموت المروّعة حفاظًا على صحته. أما الموسيقى فاحتفت بها كتب التدابير احتفاءً كبيرًا: في تسعينيات القرن الرابع عشر بعثت حكومة بولونيا إلى ابن محامٍ يحتضر موسيقيًا وراويًا، معلّلة ذلك بأن الهمّ الدائم يسلب المرء أنفاسه، وأن خير دواء له سماع الحكايات والأغاني.

ورأوا في الخروج من البيت علاجًا للبدن والنفس معًا: فالرهبان المكتئبون يُحثّون على المشي الطويل، والأديرة الموسرة تملك بيوتًا ريفية يستريح فيها المنهكون ويغيّرون الهواء. وبنى داتيني في مدينته براتو حديقة واسعة مليئة بالبرتقال والورد والبنفسج، وكان العالم الإنساني بارتولوميو بلاتينا (1421-1481) يجد متعته في التعشيب والتقليم، لأن البستنة في رأيه تريح العقل وتروّض الجسد. وكتب الطبيب اللندني جون ميرفيلد في القرن الخامس عشر أن الرياضة في الهواء الطلق تنفع البدن والنفس والروح، إذ يتأمّل المرء السماء والبحر والخضرة فيُسبّح خالقه، فتصله الرياضة بربّه.


الإيمان سندًا في الشدائد

ساد الاعتقاد بأن صحة البدن والعقل والروح متشابكة، وأن العبادة، إذ تُحسن المزاج، تنفع الصحة كما تنفعها المسرّات الدنيوية. فأدرج تدبير صحي أوكسيتاني من أواخر القرن الثالث عشر الصلاةَ ضمن ما ينبغي فعله بفرح لإطالة العمر، وجمع الراهب الشاعر جون ليدغيت في «حِميته» الذائعة بين آداب السلوك والمواظبة على العبادة وضبط الانفعالات.

وقد استشار الملك دوارتي الأطباء، وحسّن التوازن بين عمله وراحته، ونام أكثر، لكنه وجد أعظم العزاء في التعبّد والصدقة. أما تاجر الصوف الفلورنسي جوفاني دي باولو موريلّي، فقد كتب في مذكّراته عن موت ابنه البكر، وعن ذكرى سنويّة أولى أثقلتها الكوابيس حتى كاد اليأس يغلبه، ثم كان إيمانه طوق نجاته.

الطاعون والحمل والشيخوخة

مع موجات الطاعون الأسود، شاع الاعتقاد بأن التشاؤم يُضعف المناعة: رأى الطبيب الفرنسي شالان دي فيفاريو أن كثيرين هلكوا بسبب ما تبثّه أجراس الجنائز والأحاديث القاتمة من خوف، ونصح الأستاذ البولوني توماسو ديل غاربو (نحو 1305-1370) بمجالسة المرحين والاسترخاء في الحديقة والاستمتاع بالموسيقى والحكايات «في زمن الوباء»، على نحو يذكّر بما نُصحنا به في أثناء الحجر الصحي أيام كوفيد-19.

وكانت الحامل تُحذَّر من الغضب والحزن الشديد والفزع، حتى إن نساءً تكرّر إجهاضهن عولجن من السوداء، كأن الأطباء رأوا في حالتهن النفسية سببًا لا نتيجة فحسب. أما الشيخوخة فقد عرفوا ما تجرّه على الذاكرة والمزاج: كتب الشاعر الأندلسي صموئيل بن نغريلة في القرن الحادي عشر أن من يبلغ التسعين يختلط عليه يمينه بيساره، واضطرّ إدموند لاسي، أسقف إكستر، في أواخر عمره إلى التخلّي عن معظم مهامّه. ونصح غابرييلي زيربي، صاحب كتاب «رعاية الشيوخ» (Gerontocomia، 1489)، المسنّين بالموسيقى والحديث والحكايات بل وبالمسائل الحسابية لإبقاء الذهن يقظًا. وظلّ الشاعر بترارك يرفض نصائح أصدقائه بالتخفيف من العمل، مؤمنًا بأن الكفّ عن الدرس بداية الكفّ عن الحياة.

ماذا يمكن أن نتعلّم منهم؟

لا تدعو هارفي إلى إحياء طرد الشياطين أو الإفراط في الزعفران أو أكل كبد النعامة. لكنها ترى أن في تجربة أسلافنا ثلاثة دروس جديرة بالتأمّل. أولها الوقاية: أن نُعنى، أفرادًا ومجتمعات، بالروابط والأنشطة التي تبني صلابتنا النفسية قبل أن نقع في الأزمة. وثانيها النظرة الشاملة: أن تُعدّ الصحة النفسية جزءًا من نمط عيش سليم لا مشكلة معزولة عنه. وثالثها، وربما أهمّها، أن القلق والاكتئاب ليسا بدعة من بدع العصر الحديث، بل همٌّ إنساني قديم قِدَم الإنسان نفسه؛ وفي ذلك ما يخفّف عن المتألّم شعوره بالوحدة.

ولا يغني شيء من هذا التراث عن الرعاية الطبية الحديثة: فمن يمرّ بضيق نفسي مستمرّ، فإن الحديث إلى مختصّ أو إلى شخص موثوق خطوة أولى نحو السكينة.

اقرأ أيضًا في شبكتنا