عرّافو العصر الرقمي: لماذا تبدو تنبؤات الخوارزميات أقرب إلى الأوامر منها إلى المعرفة؟

حُرِّر بتاريخ 31 أكتوبر 2026
منصة سَكينة


هذه مفارقتنا: نعلم أن اللايقين هو النسيج الذي صُنع منه الكون، وأنه مهد الإبداع وطريق البحث عن الحقيقة، ومع ذلك نقضي أعمارنا نبحث عن اليقين. وتذكّر الكاتبة ماريا بوبوفا بأن كلمة auspicious الإنجليزية، التي تعني «الميمون» أو «المبشّر بالخير»، تعود إلى الكلمة اللاتينية auspex، وكانت تُطلق على من يراقب طيران الطيور ليستخرج منه البشائر والنُّذر. واليوم صارت طيورنا من بِتّات وأرقام، طيورًا آلية من صنع أيدينا نسمّيها الخوارزميات، لكنها تؤدّي الوظيفة نفسها: أن توهمنا بأننا نستطيع استشراف المستقبل لنستعدّ له، وأن تهدّئ قلق العيش بأن تبيعنا وهم السيطرة على ما لا يُعرف.

بهذه الصورة تفتتح بوبوفا قراءتها المنشورة على مدوّنة «ذا مارجيناليان» لكتاب الفيلسوفة كاريسا فيليز «النبوءة: التنبؤ والسلطة والصراع على المستقبل، من العرّافين القدامى إلى الذكاء الاصطناعي». وترى أن كل تقنية تنبؤ هي في جوهرها بنية سلطة، وأن العرّافين كانوا عبر التاريخ الحكّام الفعليين للإمبراطوريات، والمستشارين الأوائل للملوك، والناطقين الأخيرين باسم المستقبل.

من معبد دلفي إلى وادي السيليكون

تنطلق فيليز من مقارنة جريئة: علماء الحاسوب اليوم يشغلون في معادلة السلطة والتنبؤ الموقع الذي شغله عرّافو العالم القديم، ومنجّمو العصور الوسطى، وعلماء الاجتماع في القرن التاسع عشر. فالأنبياء الزائفون، في تعبيرها، تجّار تنبؤات، والذكاء الاصطناعي هو «عرّافة دلفي» الجديدة. وتلاحظ أن مشهد رجال الأعمال من أمثال إيلون ماسك وسام ألتمان وإريك شميت وهم يجالسون الرؤساء ورؤساء الحكومات يذكّر بنوستراداموس مستشارًا لكاترين دي ميديشي، وبراسبوتين ناصحًا للقيصر نيقولا الثاني.

والفكرة المحورية في الكتاب أن التنبؤات كثيرًا ما تكون مناورات سلطة متنكّرة في هيئة بحث عن المعرفة. وحتى عندما يكون صاحبها صادقًا، فإنها تولّد تيارات من النفوذ السياسي قادرة على تغيير العالم.

من الإيمان بالقدر إلى الثقة العمياء بالأرقام

تقدّم فيليز تأريخًا لافتًا لكيفية تحوّل هذه التقنيات إلى أمر ممكن ثم مرغوب ثم مألوف، وهو تحوّل من الروحي إلى الإحصائي، ومن الإيمان إلى الثقة العمياء. فمع تراجع حضور الغيب في تفسير الأحداث، خفّت قبضة القدر، وسهّل اختراع الطباعة بالحروف المتحرّكة في منتصف القرن الخامس عشر نموّ التفكير العددي المجرّد، ومعه البحث العلمي والتنظيم البيروقراطي.

وتقول إن الثقة في الأرقام وُلدت جزئيًا من انعدام الثقة في البشر. فقراءة أحشاء الحيوانات أو طيران الطيور ليست أمرًا بديهيًا، والتنجيم علم تقني معقّد، وهذا الغموض فتح الباب للتزييف والخطأ والفساد. وكانت النرد وسيلة «مفتوحة» يراها الجميع، لكنها ارتبطت بالقمار والرذيلة، وبدا ترك القرارات للمصادفة مناقضًا لروح العقلانية في عصر الأنوار. هنا جاء الإحصاء لينقذ الموقف.

غير أن الإحصاء، بحسب فيليز، لم ينمُ أساسًا بوصفه مسعى علميًا، بل بوصفه حاجة عملية لدى الموظفين والتجار والمصرفيين والجيوش وجباة الضرائب، الذين احتاجوا إلى العدّ بطرق موحّدة. ومع اتساع الإدارات، صار لا بدّ من إخفاء صراعات النفوذ لتبدو قرارات عقلانية بحتة. فالأرقام والمعايير والإحصاءات تجعل السياسة والسلطة غير مرئية، وهذا مريح لكل من يريد أن يقدّم أفعاله على أنها خالية من القيم. وخلف ثقتنا في الأرقام فكرة فلسفية قديمة: أن القيم لا يمكن استخلاصها من الوقائع.

وتعلّق بوبوفا بأن هذا صحيح تمامًا: فلا شيء مما نقدّره أكثر من غيره، لا الجبال ولا الموسيقى ولا الحب، يمكن اختزاله في مجموعة وقائع. الأرقام قد ترسم لنا حدود العالم كما هو، بصدق أو بزيف، لكنها لا تقول لنا كيف نحيا فيه، وكيف نتقاسمه، وكيف نعيد تشكيله. وهي فكرة تلتقي مع تحذير فلسفي آخر قرأناه على منصتنا من الاعتقاد بأن القيم بسيطة وقابلة للقياس، كما توحي بذلك أنظمة النقاط في الألعاب. بل إن عالم الرياضيات مارك كاتس، أحد روّاد نظرية الاحتمالات، أقرّ نفسه بأن الأعمال الإبداعية تنبع من عالم له شغفه ونشوته ويأسه، عالم لا تحيط به حسابات الاحتمال.

الإحصاء «اخترع» المجتمع والإنسان العادي

تقلب فيليز الأسطورة الثقافية السائدة: العالم ليس إحصائيًا بطبيعته، بل نحن من جعلناه كذلك بتكميمه، لنحكم السيطرة عليه. فلأن الانتظامات الإحصائية في ظواهر مثل الجريمة لم يكن ممكنًا ردّها إلى أفعال الأفراد، نُسبت إلى «المجتمع» نفسه، الذي صار كيانًا حيًا قائمًا فوق الأفراد المكوّنين له. ومنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر صارت هذه الانتظامات الرقمية تُعدّ أقوى دليل على وجود المجتمع. وعلى المنوال نفسه، اخترع الإحصاء فكرة «الشخص العادي».

وترى أن التفكير الاحتمالي غيّر نظرتنا إلى الواقع، وطريقة فهمنا لما نعرف، وما نعدّه حجة وتفسيرًا مقنعَين، وتصوّرنا للحياة الطيبة، بل ربما غيّر طريقة تفكيرنا في التفكير نفسه. وتذهب أبعد من ذلك بصورة قاسية: فقد قتلنا، في رأيها، الأفراد بأسمائهم وطباعهم وغرائبهم، وقتلنا تقدير الناس لذواتهم بعيدًا عن التصنيفات والأرقام والترتيب، وأضعفنا ثقتنا في حرية الإرادة، واستبدلنا الثقة في البشر بالثقة في الأرقام. كسبنا النظام، لكننا دفعنا ثمنه، وما خسرناه نادرًا ما يقبل القياس. غير أن تعذّر قياسه لا يعني أنه لم يكن موجودًا أو لم يكن مهمًا.

التنبؤ فعلٌ في العالم لا وصفٌ له

في فكرة تستحضر قول الأديبة أورسولا لوغوين إن الكلمات أحداث تفعل وتغيّر، تؤكّد فيليز أن التنبؤات ليست مجرد عبارات تصف العالم، بل هي «أفعال كلامية»، أي أقوال تُحدث أثرًا. فمن يطلق تنبؤًا قد يعبّر عن درجة ثقته، أو عن حظوظ وقوع أمر ما، أو عن الصورة التي يتمنّاها للمستقبل، أو يحاول إقناع جمهوره بشراء ما يبيعه. لكنه في كل الأحوال لا ينطق بحقيقة عن العالم.

ومن هنا خلاصتها الأخطر: المجتمعات القائمة على التنبؤ تميل إلى القمع، عبر المراقبة والنبوءات التي تحقّق ذاتها، لأن التنبؤات أقرب إلى الأوامر منها إلى ادّعاءات الحقيقة. فالتنبؤ بشأن البشر يعمل كالمغناطيس، يجذب الواقع نحوه، فإذا اشتدّت قوته صار هو سبب تحقّقه. وعندها قد لا تكون دقة التنبؤ دليلًا على المعرفة، بل على الاستبداد.

وتضيف بوبوفا بعدًا نفسيًا: فأجهزتنا الإدراكية مهيّأة لأن تشكّل توقّعاتُنا واقعَنا، ولذلك فإن التنبؤات التي نصدّقها تنتهي إلى رسم مسار حياتنا. وأهم جبهات المقاومة أن نتذكّر أننا نصنع مصيرنا باختياراتنا، وأن اختياراتنا تحرّكها معتقداتنا، وهي أسهل ما يمكن التلاعب به وحبسه داخل بنية سلطة، ولذلك يجب أن تكون أول ما يتحرّر.

مفاتيح للخروج من سجن التوقّع

لا تكتفي فيليز بالتشخيص، بل تقترح أن المفتاح في أيدينا إن احتفظنا في أذهاننا ببضع حقائق عن الإنسان يحاول تجّار التنبؤ طمسها:

  • ما نظنّه حتميًا كثيرًا ما لا يقع، وما نحسبه مستحيلًا قد ينتظرنا عند المنعطف.
  • مساحات عدم التحديد هي حيث يزدهر الإبداع والفكاهة والابتكار.
  • السماح بالتمرّد هو الطريقة اللائقة لمعاملة البشر بوصفهم غايات في ذواتهم، لكلٍّ منهم آراؤه وتفضيلاته الخاصة، وكل حياة جديرة بأن تُعاش، وكل حياة عمل فنيّ يُصنع أكثر مما يُكتشف.
  • نحن نصوغ أفكارنا، وأفكارنا تصوغنا.

وتطرح في النهاية سؤالًا مفتوحًا: إذا كان اللايقين، الناتج عن معرفتنا الجزئية وتعقيد المجتمع والاكتشافات العلمية والمصادفات والعمى، لن يزول أبدًا، فكيف ينبغي أن نعيش؟ أما بوبوفا فتجيب بالإحالة إلى قصيدة للشاعرة الأمريكية ماري هاو، تاركة للقارئ أن يجد جوابه في الشعر لا في الحساب.

حرية أن نفاجئ أنفسنا

لا يمكننا أن نتحرّر من لايقين الحياة، فنحن أنفسنا، كما تكتب بوبوفا، خروقات مضيئة لقوانين الاحتمال. لكن يمكننا أن نتحرّر من سجن التنبؤ لنكون أكثر حياة. فرحمة الحياة الكبرى أننا قادرون على التغيّر وتبديل المسار ومفاجأة أنفسنا، وأن مستقبلنا ليس حاصل جمع حسابيًا لماضينا، ولا مصيرنا معادلة محسومة، بل مسار يخلق نفسه باستمرار، كما تعيد الذاكرة تشكيل نفسها مع كل استعادة.

وكل خوارزمية تحاول أن تخبرنا بما سنحبّه أو نفعله غدًا بناءً على ما أحببناه أو فعلناه أمس، تسرق منّا، في رأيها، شيئًا من احترامنا لذواتنا: احترام قدرتنا الأصيلة على مفاجأة أنفسنا، تلك القدرة التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش، ثم تبيعه لنا من جديد بثمن المنتج. وربما كانت السكينة الحقيقية، في ضوء هذا الكتاب، ليست في معرفة ما سيأتي، بل في التصالح مع أننا لا نعرفه، وفي الثقة بأن ما لم يُكتب بعد لا يزال ملكًا لنا.

عن الكتاب وصاحبته

صدر كتاب «النبوءة» (Prophecy) في أبريل 2026 عن دار «دبلداي» في الولايات المتحدة، ثم عن دار «سويفت برس» في بريطانيا. ومؤلفته كاريسا فيليز أستاذة مشاركة في معهد أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بجامعة أكسفورد، وسبق أن اختارت مجلة «الإيكونوميست» كتابها السابق «الخصوصية سلطة» ضمن كتب العام.

اقرأ أيضًا في شبكتنا