تروي المقالة أن المخرج نورمان جويسون ضاق ذرعًا، أثناء تصوير فيلم «قضية توماس كراون» (1968)، بنجمه ستيف ماكوين. كان يلحّ عليه أن يمنح الشخصية مزيدًا من الحضور والثقة، وكان ماكوين يرفض: يقتصد في الأداء، ويترك الصمت يطول، ويقدّم أقلّ مما يطلبه النص. ثم جاءت مشاهدة اللقطات المصوَّرة، ففهم المخرج أن ممثله، بامتناعه عن تكلّف الهيبة، صار أكثر ما يشدّ العين على الشاشة. لم تكن تلك حيلة ولا استعراضًا، بل لامبالاة صادقة بإبهار أي أحد، وكان هذا الغياب نفسه هو مصدر الجاذبية.
بهذه الحكاية تفتتح مقالة نُشرت على موقع «سايكولوجي توداي» ضمن مدوّنة «العقل والدماغ والقيمة»، لتطرح سؤالًا يعرفه كلٌّ منا بالحدس: لماذا يبدو من يتصنّع اللامبالاة مكشوفًا إلى هذا الحدّ؟ الضيف الذي يجتهد في أن يبدو غير مكترث، والفرقة الموسيقية التي تتظاهر بأن المبيعات لا تعنيها، ورائد الأعمال الذي يكرّر أن رأي المستثمرين لا يهمّه… كلّهم يفضحون، من حيث لا يريدون، تعلّقًا عاطفيًا بنظرة الآخرين يشعر به الجميع.
ما الذي يجعل شخصًا «رائعًا» في أعين الناس؟
قد تبدو صفة «الكُول» (cool)، أي تلك الجاذبية الهادئة الواثقة، مفهومًا غائمًا، لكنها ظاهرة نفسية مدروسة على نحو دقيق. فالباحث كاليب وارن من جامعة أريزونا أمضى سنوات في تحليلها، وتشير أبحاثه إلى عامل ثابت يتكرّر: الإحساس بالاستقلالية. فالأشخاص والأشياء يُنظر إليهم على أنهم «رائعون» عندما يخرجون عن المألوف باستقلال وبشكل ملائم، لا عندما يدوسون كل الأعراف بلا تمييز. والخروج المقدَّر هو الخروج عن أعراف تبدو غير ضرورية، وأن يأتي ذلك بصورة طبيعية غير متكلَّفة.
والنتيجة الأهمّ في هذا السياق أن فريق وارن وجد أن من يُرى وهو يسعى جاهدًا إلى أن يبدو رائعًا يكسب مكانة أقلّ ممن تبدو عليه هذه الصفة بلا جهد. فالجهد الظاهر يكشف الحاجة إلى استحسان الآخرين، وهي بالضبط ما يُفترض أن تنفيه الجاذبية الهادئة. وبعبارة أبسط: لا يمكن أن تصبح «رائعًا» بقوة المحاولة.
الرغبة المستعارة: ما يقوله رينيه جيرار
لفهم السبب، تستعين المقالة بالفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار، الذي درّس في جامعة ستانفورد وصاغ نظرية «الرغبة المحاكاتية». جوهر فكرته أن الرغبة الإنسانية اجتماعية في أساسها: فبعد إشباع الحاجات الأولية، نلتفت إلى من حولنا لنعرف ماذا نريد. الرغبة تولّد الرغبة، وأكثر رغباتنا، في نظره، مستعارة من غيرنا.
وعلى هذه الشبكة من الرغبات المستعارة تقوم صناعات بأكملها: نجوم الموسيقى الشعبية، وعلامات الأزياء السريعة، والشركات التي تلهث وراء ما يطلبه السوق. وفي وسط هذا كله، يصبح الأفراد النادرون الذين يبدو أنهم يرغبون باستقلال عن التيار جذّابين جدًّا، تحديدًا لأنهم يبدون كأنهم يعملون على موجة خاصة بهم.
غير أن الكاتب لوك بورغيس، الذي بنى كتابه الأول «الرغبة» (Wanting) على أعمال جيرار، يلفت إلى فخّ دقيق: فالسعي المتعمَّد إلى معاكسة الجمهور هو بدوره شكل من أشكال الانشغال به. أن تفعل عكس ما تظنّ أن الناس يريدونه يظلّ ردّ فعل، ويبقى تابعًا لأذواقهم. ومقاومة الحشد عن وعي تفترض أصلًا أن عينك عليه.
الاستغراق في العمل لا في الجمهور
يعالج بورغيس هذه المسألة في كتابه الجديد «الواحد والتسعة والتسعون» (The One and the Ninety-Nine)، الذي يتناول بناء الهوية في زمن العدوى الاجتماعية. ويرى أن الشخصيات التي تفلت من هذا الفخّ تشترك في أمر واحد لا علاقة له بالاستراتيجية: إنها مستغرقة في فنّها إلى حدّ أنها تنسى سؤال الجمهور أصلًا.
ومثاله على ذلك عازف الساكسفون أورنيت كولمان. فبحسب ما تنقله المقالة، لم يكن كولمان يخطّط لابتكار ما سيُعرف بـ«الجاز الحرّ». كان يعمل في متجر كبير، ودخل يومًا في استراحة الغداء إلى معرض فنّي، فرأى لوحة لامرأة ثرية على وجهها تعبير موحش بالوحدة. عاد إلى بيته فألّف مقطوعة «امرأة وحيدة» (Lonely Woman)، التي غدت من علامات تحوّل هذا النوع الموسيقي. لم تكن الأصالة هدفًا سعى إليه، بل ثمرة انغماس مفاجئ في ما رآه وأحسّه.
هؤلاء، كما تصفهم المقالة، مأخوذون بمادّتهم إلى درجة أن مسألة المتلقّي لا تخطر لهم. ويصف بورغيس هذه الحالة بأنها نوع من «النسيان المثمر»: أفضل الأعمال الإبداعية تولد عندما ينسى صاحبها، ببساطة، أن هناك جمهورًا ينتظر.
لا ضمانات، بل افتتان بالمادّة
وتحرص المقالة على تنبيه مهمّ: الاستقلال عن الجمهور لا يضمن شيئًا. فقد يتجاهل المرء الناس تمامًا ثم يقدّم عملًا لا يقدّره أحد. وكولمان نفسه، بحسب المقالة، عاش سنوات طويلة من الضيق المادي قبل أن يُعترف بموهبته. لا يقين هنا، بل مجازفة مفتوحة.
ما يمنح هذه الشخصيات سحرها ليس غياب الاهتمام بالآخرين في ذاته، بل حضور شيء أقوى منه: افتتان عميق بالموضوع يحجب كل حاجة إلى الاستحسان. إنهم لا يحاولون أن يكونوا «رائعين»، ولا أن يعاكسوا الحشد، ولا أن يُرَوا على نحو معيّن. وهذا بالضبط، على نحو مفارِق، ما يجعلهم آسرين.
ولم يفهم نورمان جويسون ما كان يفعله ستيف ماكوين إلا بعد مشاهدة اللقطات. ففي موقع التصوير بدا الأمر رفضًا وعنادًا، وعلى الشاشة صار حضورًا مغناطيسيًا. كان للممثل تصوّره الخاص للدور، وكان منشغلًا به أكثر بكثير من انشغاله بما ينتظره منه المخرج أو الاستوديو أو الجمهور. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق: الاستقلال الحقيقي لا يُصنع بمقاومة نظرة الآخرين، بل ينشأ من الانصراف الصادق إلى ما نحبّه ونتقنه.
اقرأ أيضًا في شبكتنا
- ما الذي تعلّمنا إيّاه الألعاب عن الحياة الحقيقية؟ فيلسوف يجيب على منصة سكينة.
- لماذا لا يكفي حظر مواقع التواصل لحماية الصحة النفسية للمراهقين؟ على منصة سكينة.
- عندما تضع وجه الهاتف على الطاولة: مقاومة صامتة في زمن الإشعارات على منصة فِكرة.