تخيّل مسبحًا بلديًا في بلدة صغيرة يلتقي فيه كل مراهقيها تقريبًا: هناك يتعرّفون على أصدقاء جدد، ويتبادلون أخبار الحفلات، ويقضون أوقات فراغهم. المشكلة أن المسبح بلا منقذ فعلي؛ فالمنقذ موجود على الورق، لكنه بعيد عن الحوض ولا يُعتمد عليه في الطوارئ. ومع ذلك تحثّ الإدارة السبّاحين على البقاء في الماء أطول وقت ممكن، حتى لو ظهرت عليهم علامات الإرهاق أو البرد. وأغلبهم بخير، أما من يتعب فيُقال له إن معرفة متى يخرج مسؤوليته أو مسؤولية أسرته، وعليه أن يتحمّل وحده ما يخلّفه ذلك من قلق أو خجل أو خوف.
ويزداد الأمر غرابة: فالمسبح يبدو مكانًا خاصًا، لكنه ليس كذلك. فالإدارة تصوّر روّاده، وتبني ملفات عنهم، وتبيع بياناتهم لمعلنين يروّجون منتجات قد تضرّ بصحتهم. ومن وقت لآخر يتسلّل إليه بالغون ينتحلون صفة مراهقين، بنوايا مريبة وأحيانًا إجرامية. ومع ذلك يواصل أغلب المراهقين المجيء، لأن البديل هو الابتعاد عن المكان الذي يوجد فيه أصدقاؤهم، فيجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: العزلة، أو السباحة مع الحذر الدائم.
هذا المسبح الخيالي ليس سوى استعارة اختارتها مقالة نُشرت على موقع «سايكولوجي توداي» ضمن مدوّنة «ما وراء جدل وقت الشاشة»، لتصف ما يعيشه المراهقون يوميًا على منصّات التواصل الاجتماعي. والسؤال الذي تطرحه: هل العيب في المسبح ذاته، فيكون الحلّ منع دخوله قبل السادسة عشرة، أم في طريقة إدارته؟
مخاطر موثّقة على الشاشة
تستند المقالة إلى أرقام مقلقة. فبحسب استطلاع أجرته عام 2025 منظمات للدفاع عن الأطفال، من بينها التحالف الشبابي «ديزاين إت فور أس»، وشمل نحو ثمانمئة مستخدم لإنستغرام بين 13 و15 عامًا، أفاد قرابة نصفهم بأنهم صادفوا محتوى غير آمن أو تلقّوا رسائل غير مرغوب فيها خلال الشهر السابق وحده، وقال 65% إنهم لم يتلقّوا أي تنبيه يدعوهم إلى أخذ استراحة طوال ستة أشهر، رغم أن المنصّة تقدّم هذه الميزة ضمانةً ضد الإفراط في الاستخدام. وقد اعترضت شركة «ميتا» على الدراسة ووصفتها بالمنحازة.
أما الإعلانات الضارة فشائعة هي الأخرى. ففي بريطانيا، كشف تقرير لمفوّضة الأطفال في إنجلترا أن 41% من المراهقين بين 13 و17 عامًا رأوا ترويجًا لأدوية إنقاص الوزن التي لا تُصرف إلا بوصفة طبية، وأن 46% من الأطفال السود شاهدوا إعلانات لمنتجات تفتيح البشرة، مقابل 24% من البيض، أي قرابة الضعف، وذلك في بلد تُعدّ قوانينه في هذا المجال أشدّ صرامة من القوانين الأمريكية.
المنصّة نفسها ملاذ لبعضهم
غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالمقالة تذكّر بأن هذه المنصّات تمثّل لكثير من المراهقين، ولا سيما المنتمين إلى أقليات عرقية أو جنسية، فضاءً يجدون فيه انتماءً يصعب العثور عليه خارج الشاشة. وتنقل أن المراهقين من مجتمع الميم أكثر ميلًا بثلاث مرات إلى وصف الفضاءات الرقمية بأنها «لطيفة وآمنة جدًا» مقارنة بالفضاءات الواقعية، وأن 77% من الشباب السود يرون وسائل التواصل مهمّة للتواصل مع من يشاركونهم همومهم النفسية، مقابل 53% من أقرانهم البيض.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية بحسب المقالة: فالخلاصة الرقمية نفسها التي تعرّض مراهقًا لخطاب الكراهية قد تكون المكان الوحيد الذي يشعر فيه بأنه مرئيّ ومفهوم.
خلل في الإدارة لا في التقنية
ترى المقالة أن هذه المشكلات ليست ملازمة للتقنية في ذاتها، بل نتاج سعي الشركات إلى تعظيم الأرباح مهما كانت الكلفة الإنسانية، وحصيلة قرارات تصميم متعمّدة أهملت حلولًا مكلفة لكنها تحمي المستخدم: حماية أقوى للبيانات، وتحكّم أكبر في الخوارزميات، وإشراف فعليّ على المحتوى. وتستحضر تجارب قطاعات أخرى، كالدواء والغذاء والسيارات، نادرًا ما عالجت مسائل سلامة المستهلك طوعًا، بل احتاج الأمر فيها إلى ضغط شعبي وتشريعات ملزمة، دون أن يقضي ذلك على ربحيتها. ولا يختلف قطاع التقنية عنها في شيء.
ويؤيد المراهقون أنفسهم هذا التوجّه؛ إذ يرى 76% منهم، وفق المقالة، أن إشرافًا أنشط وحذفًا أسرع لمنشورات التنمّر والمضايقة سيكون مفيدًا لهم.
ماذا تقول تجربة أستراليا؟
الحلّ الأكثر تداولًا اليوم هو حظر المنصّات أو تقييدها بحسب السنّ، وهو حلّ بسيط ومغرٍ في ظاهره، لكن الأدلّة المتراكمة لا تسعفه. ففي أستراليا، التي طبّقت في ديسمبر 2025 أول حظر وطني من نوعه على من هم دون السادسة عشرة، وجدت دراسة لجامعة نيوكاسل نشرتها المجلة الطبية البريطانية أن أكثر من 85% من المشاركين دون هذا السنّ واصلوا استخدام المنصّات المشمولة بالحظر بعد ثلاثة أشهر من دخوله حيّز التنفيذ، ومعظمهم عبر حساباتهم الخاصة.
وتضيف المقالة أن اشتراط التحقّق من العمر يتيح لشركات التقنية الكبرى جمع مزيد من البيانات الشخصية لا أقلّ منها. والأهم أن الحظر لا يعالج أصل المشكلة، أي سوء إدارة الفضاءات الرقمية؛ فالأضرار لا تختفي ببلوغ السادسة عشرة أو حتى الثامنة عشرة. إذ يفيد أكثر من نصف الشباب بين 18 و22 عامًا بأنهم ما زالوا يصادفون محتوى عنصريًا أو متحيّزًا جنسيًا أو معاديًا لمجتمع الميم، ويشعر 53% منهم بأنهم لا يتحكّمون في استخدامهم، أو يقضون على المنصّات وقتًا أطول مما أرادوا.
الكلفة الخفيّة للمنع
وللحظر، بحسب المقالة، أضرار قلّما تُذكر، تطال خصوصًا المراهقين الذين تشكّل لهم هذه المنصّات مصدر دعم وتواصل لا يتوفّر بسهولة خارجها. فقطع الوصول لا يجعل المنصّات أكثر أمانًا، بل ينتزع وسيلة تكيّف ممن هم في أشدّ الحاجة إليها، بدل أن يُلزم الشركات بتحسينات السلامة التي اختارت ألّا تجريها.
نحو منصّات آمنة بالتصميم
البديل الذي تقترحه المقالة هو الضغط على صنّاع القرار لاعتماد قوانين واضحة وقابلة للتطبيق لحماية المستهلك، تجعل سلامة الجميع ورفاههم مبدأً غير قابل للمساومة، ودفع شركات التقنية إلى التعاون مع المراهقين أنفسهم لإعادة تصميم منصّاتها بما يخدم الصحة النفسية، مع تقديم تقارير علنية عن التقدّم المحرز. فالناس من كل الأعمار يستحقون فضاءات آمنة، رقمية كانت أم واقعية، يلتقون فيها ويتبادلون الأفكار والاهتمامات ويعبّرون عن أنفسهم ويرتاحون.
وتبقى الخلاصة التي توحي بها الاستعارة الأولى مفتوحة للتأمّل: إغلاق المسبح لن يعلّم أحدًا السباحة، ولن يجعل المسابح الأخرى أكثر أمانًا. ما يحتاجه المراهقون منقذ حاضر، وإدارة تضع سلامتهم قبل أرباحها.
اقرأ أيضًا في شبكتنا
- ما الذي تعلّمنا إيّاه الألعاب عن الحياة الحقيقية؟ فيلسوف يجيب على منصة سكينة.
- عندما تضع وجه الهاتف على الطاولة: مقاومة صامتة في زمن الإشعارات على منصة فِكرة.
- لماذا تلتهم الشاشة شعورنا بمرور الوقت؟ على منصة فِكرة.